الرئيسية / الفضاء / ورقة ستيفن هوكينغ البحثيّة الأخيرة عن كوننا قد تمّ نشرها

ورقة ستيفن هوكينغ البحثيّة الأخيرة عن كوننا قد تمّ نشرها

ورقة ستيفن هوكينغ البحثيّة الأخيرة عن كوننا قد تمّ نشرها

ترك لنا الرائد في علم الفيزياء ستيفن هوكينغ Stephen Hawking قبل وفاته قطعة متلألئة من العلم تتمثل بورقة نهائيّة حول نشأة الكون بالتعاون مع توماس هيرتوغ Thomas Hertog من جامعة لوفان الكاثوليكية، وقد تمَّ نشر هذه الورقة البحثية في دوريّة (High Energy Physics) والتي طرحت فكرة أن نظرية نشوء الكون أقل تعقيدًا من نظريات الأكوان المتعدّدة الحالية.

تقوم هذه الفكرة على مفهوم «التضخم الكونيّ الأبديّ Eternal Inflation» والذي نُشِر عام (1981)، يفترض هذا المفهوم مرور الكون بمرحلة تضخمٍ أسيّ تلاه تباطؤ وتحول في الطاقة إلى كل من المادة والإشعاع ونشوء الأكوان الفقاعيّة، على الرغم من ذلك، وطبقًا لنظرية التضخم الأبديّ فإن جزءًا من الفقاعات توقف عن التضخم وفي الوقت ذاته؛ فإن الجزء الآخر من الفقاعات وتحت التأثيرات الكموميّة لم يتوقف عن التضخم أبدًا مؤديًا إلى تكون عددٍ غير متناهٍ من الأكوان المتعدّدة.

إن كل ما نراه في الكون المرئيّ وطبقًا لهذه النظرية يتواجد في فقاعة واحدةٍ فقط والتي توقف فيها التضخم مكونًا مجراتٍ ونجوم، ويتمثل مفهومنا المألوف عن علم الكونيات، بفكرة نشأة الكون من لحظة الانفجار العظيم، وما يعقبه من التوسع والتمدّد السريع، أو ما يعرّف بالـ تضخم، وهو البذرة التي نشأ منها الكون الواسع المستوي الذي نشغله، غير أن هذا التضخم وعلى ما يبدو قد عانى من مشكلة في التوقف.

ويعود السبب في ذلك لكون عملية التضخم التي حدثت في المراحل المُبكرة من نشأة كوننا؛ قد حُكِمت بقواعدٍ غريبة من ميكانيكا الكم، مُسببةً سير عملية التضخم الكونيّ على نحوٍ غير متوقع. وعلى سبيل المثال، وطبقًا لميكانيكا الكم، فإن التقلبات الكموميّة (التموج الكموميّ) قد تسببت في جعل بعض أجزاء الكون تتمدّد بشكلٍ أسرع من الأجزاء الأخرى، أي أن معظم الصفات الواضحة للتضخم تتبنى حقيقة توقف التضخم في إحدى المناطق واستمراره في غيرها، وهذا يعني أن الكون في حالة تمدّدٍ أبديّ بصورةٍ كاملة.

وطِبقًا لهذا النموذج فإننا نعيش في كيس ضيق من الأكوان المتعددّة للكون الموازيّ، توقف فيها التضخم وتكونت فيها النجوم، وعلى الرغم من ذلك فإن الأكوان المتعدّدة تُنتِج باستمرار أكوانًا متضخمةً وجديدةً تنمو كالفركتلات.

وتقترح نظرية التضخم الأبديّ أن الكون فقاعة غير محدودة تسبح في بحرٍ من الفقاعات الكونيّة والتي تختلف في قوانينها الفيزيائيّة والكيميائيّة من كون فقاعي لآخر، مُشكّلةً مع بعضها الأكوان المتعددة.

يبين هوكينغ وهيرتوج أن سيناريو التضخم الأبديّ خاطئ وذلك لأن نظرية آينشتاين للنسبية العامة تنهار على مقياس الكموميّة، وتتمثل المشكلة في المفهوم المعتاد للتضخم الأبديّ حقيقة كونها تفترض أن الكون قد نشأ وتطوّر حسب نظرية آينشتاين للنسبية العامة وتتعامل مع التأثيرات الكموميّة على أنها تقلبات صغيرة، وتمحو ديناميكا التضخم الأبديّ الفاصل بين الفيزياء الكلاسيكيّة والكميّة ونتيجة لذلك فإن نظرية آينشتاين تنهار في التضخم الأبديّ.

وتقوم النظريّة الجديدة على نظرية الأوتار، واحدة من الأطر التي تهدف إلى موافقة النسبية العامة مع النظرية الكموميّة باستبدال الجزيئات النقطيّة إلى جزيئات فيزيائية لها وتر ذور بُعد واحد.

في نظرية الأوتار أو النظرية الخيطيّة –مجموعة من الأفكار حول نشأة الكون تستند إلى معادلاتٍ رياضيةٍ معقدة– يمثل الكون صورةً ثلاثية الأبعاد، حيث يمكن تقليص الأبعاد الثلاثة رياضيًا إلى نموذجٍ ثنائي الأبعاد على سطوحها.

وطوّر الباحثون نموذجًا مختلفًا عن المبدأ ثلاثي الأبعاد الذي جسّم بُعد الزمن ضمن التضخم الأبديّ، الأمر الذي مكّنهم من وصف المفهوم دون الاعتماد على النسبية العامة، مُتيحًا لهم تقليص نظرية التضخم الأبديّ رياضيًا لحالةٍ معدومة الزمن على السطح المكانيّ لنشوء الكون- الصورة ثلاثيّة الأبعاد للتضخم الأبدي.

«عندما تقفينا أثر التطوّر في كوننا رجوعًا عبر الزمن، وصلنا في نقطة ما إلى بدء التضخم الأبديّ والتي يتوقف عندها مفهومنا المعروف عن الزمن.» -هيرتوغ

وفي عام (1983) طرح هوكينغ والفيزيائيّ جيم هارتل Jim Hartle ما يُعرّف بنظرية الكون اللامحدود، اقترحا خلالها وجود الفضاء قبل الانفجار العظيم لكن من دون وجود الزمن، ولذلك فإن الكون في بدايته قد توسع من نقطة واحدة غير محدودةٍ.

وطِبقًا للنظرية الحديثة؛ فإن الكون المُبكر كان يمتلك حدودًا وهو ما ساعد هوكينغ في اشتقاق افتراضات جادة حول بناء الكون، مفترضًا بأن كوننا وعلى الموازين الكبيرة؛ سويٌّ بشكلٍ معتدل ومحدود.

ولا تلغي هذه النتيجة سيناريو الأكوان المتعددة، لكنها تقصلها إلى مدى أصغر، ويخطط هيرتوج إلى اختبار ذلك عن طريق البحث عن موجات الجاذبية والتي يعتقد أنها نشأت من التضخم الأبديّ، علمًا أن هذه الموجات كبيرة جدًا لا يمكن الكشف عنها باستخدام مرصد (LIGO)، لكن الأجهزة المستقبلية (LISA) والدراسات المستقبلية حول الموجات المايكرويّة الكونيّة قد تستطيع المساعدة.

الكون الكُسوري، كون الفركتلات

كونٌ كهذا سيكون غير مستوي ومتقطع، وهذا هو الجانب الذي نظرت إليه ورقة هوكينغ البحثية، فإذا تخيلت الكون على أنه بالون، فعند قيامك بنفخ البالون بسرعةٍ؛ سينتج توسع وتمدد منتظم ومتماثل في جميع الاتجاهات داخل البالون، وسيظهر التضخم الأبديّ على شكل منطقة صغيرة على سطح البالون توقف فيها التمدّد وغير قابلةٍ للتوسع، بينما تستمر بقية أجزاء البالون في التمدّد مما يعطي مظهرَ الكرة ذات النتوء الحاد.

تُعد نظريات التضخم الأبديّ والأكوان المتعددّة قوية بما يكفي كونها تقدم شرحًا ملائمًا لوجود الكائنات الواعيّة عند ربطها مع المبدأ الإنسانيّ – المبدأ الأنثروبي – الذي يتبنى فكرة أن الكون حتميّ؛ حيث تكون معادلاته وقوانينه الطبيعيّة مناسبة لظهور أنواع الحياة، فلو افترضنا أن الجسيمات الأوليّة مثل الإلكترون والبروتون ليست بصفاتها الموجودة، والقوانين التي تحكمها، لكان من غير الممكن نشأة الحياة على الأرض بما فيها نشأة الإنسان نفسه، وهذا ما يبين أن من أجل وجود الحياة لا بد للكون أن يكون مشابهًا للذي نعيش فيه.

 

إلا أن فكرة وجود عدد غير متناهٍ من الأكوان المتعددّة واحتواء واحد منها على حياة ستكون منطقية أكثر من الفكرة الأخرى التي تبين وجود كونٍ واحد تحول للشكل الحاليّ ليكون مناسبٍ للبشريّة.

 

لكن هل هذا حقًا كافي لشرح علم الكونيات ونشأة الكون؟

 

اقترح هوكينغ وزميله هيرتوج في الورقة البحثية التي نُشِرت في دوريّة High Energy Physics، نموذجًا عن كوننا ليبينا تركيبه، مستخدمين تقنيةً تُعرّف بالتصوير التجسيميّ – الهولوغراف والذي يقوم على تقليص الأبعاد الثلاثية في الفضاء رياضيًا إلى أبعادٍ ثنائية على السطح محاولين معرفة ما قد يكون عليه شكل الكون، مع الأخذ بنظر الاعتبار احتمالية التقلبات الكميّة العشوائيّة.

 

نظر هوكينغ وزميله في احتمالية كون الأكوان المتعددّة أشبه بالبالون ذو الرأس الحاد والناتئ مقابل كونها سوية ومصقولة في الشكل، وتوصلا إلى أرجحية كون الكون مستوٍ، وهذا ما يشير إلى أن التضخم الأبديّ ليس حقًا الحصيلة المثلى لما توقعه العلماء.

 

وبدلًا عن التفكير بالنظريات الحالية والتي تشير إلى وجود عددٍ غير متناه من الأكوان المتعددّة، ناقش الباحثان فكرة وجود عددٍ صغير منها فقط، الأمر الذي سيسهل أثبات وجودها والبحث عن الأشعة المتبقية منها بعد الانفجار الكبير، جاعلًا من اختبار النظرية أسهل.

 

وعلى الرغم من أن هذه الورقة البحثيّة هي آخر أبحاث هوكينغ، إلا أنه قد عمل أيضًا على نظريات عديدة أخرى.

 

 

 

 

ترجمهُ: عائشة الصّوّاف

مصدر: هُنا هُنا
الورقة البحثيّة: هُنا