الرئيسية / علم النفس والاجتماع / لماذا يؤمن البعض بنظرية المؤامرة؟ وكيف نغيِّر تفكيرهم؟

لماذا يؤمن البعض بنظرية المؤامرة؟ وكيف نغيِّر تفكيرهم؟

لماذا يؤمن البعض بنظرية المؤامرة؟ وكيف نغيِّر تفكيرهم؟

كنتُ مرةً جالسًا في القطار عندما دخل مجموعةٌ من مشجعي كره القدم وكان يبدو عليهم الحماس لفوز فريقهم المفضل وبدأو بالجلوس، فقام أحدهم بالتقاط ورقة من الجرائد الملقاة وبدا كأنه يحاولُ كتمَ ضحكته بينما كان يقرأ «حقائق بديلة يروج لها دونالد ترامب» بدأ الآخرون سريعًا بمشاركة أفكارهم حول ولع الرئيس بنظريات المؤامرة.

بدأ أحدهم بالحديث عن مؤامراتٍ أُخرى، كنتُ مستمتعًا بالتنصت لحديثهم، بينما يسخرون بوحشيةٍ من نظرية الأرض المسطحة، وغاز الكيمتريال، وفكرة غوينيث بالترو الجديدة، عم الصمت للحظة عندها انتهز أحدهم الفرصةَ للحديث قائلًا: «قد يبدو هذا الحديث غير منطقي لكن لا تحاولوا القول بأنكم تثقون بكل ما يغذيه لنا التيار الرئيسي، مثلًا الهبوط على سطح القمر كان يبدو جليًّا أنه مزوَّرٌ بشكل غير متقن، لقد قرأت مقالًا حول ذلك، قاموا بإضافة دلائلَ وحججٍ تبرهنُ خدعةَ الهبوطِ على القمر كظهورِ ظلالٍ غيرَ متناسقَةٍ في الصور الفوتوغرافية، وعدمَ ظهورِ أي نجومٍ في السماءِ في أيٍّ من الصور، وكيفَ أنه تم تصوير بيل آرمسترونغ حيث أنه كان الشخص الوحيد الذي كان هناك على سطح القمر (من قام بتصويره إذًا!)، وكيف أنَّ العَلَمَ بدا يرفرف في حين عدم وجودِ غلافٍ جويٍّ على القمر أصلًا!».

عليَّ الاعترافُ أنه في بداية حديثهم كانوا يتناقشون بطريقةٍ عقلانيةٍ ومنطقيةٍ باستدعائهم الأدلةَ التي تدعم ما يقولون، لكن سرعانَ ما بدت الأمورُ تأخذ منحًا آخرَ، لذلك أخذتُ نفسًا عميقًا وقرّرتُ المشاركةَ في حديثهم.

«في الحقيقه يمكن تبريرُ كُلّ ذلك وشرحه ببساطة!»، نظروا إليَّ باستغراب! أضفتُ قائلًا: «أولًا: لم يرفرف العلم بفعل الرياح، لقد تحرك بمجرد أن زرعهُ باز ألدرين، وبالنسبةِ للصور؛ فقد تم التقاطها نهارًا لذلك لم تظهر النجوم في أيٍّ منها، والظلالُ التي ظهرت في الصور هي بسبب العدسات واسعة الزوايا التي استخدموها، وأخيرًا تم التقاط الصور لآرمسترونغ بواسطة الكاميرا المثبتةِ على سطح الخارجي للوحده التي صورته، وإن لم تكن هذه الأدلةُ كافيةً بالنسبة لكم؛ فإن الدليلَ القطعيَّ هو صور مركبة الاستطلاع القريبة من مواقع الهبوط حيث بالإمكان أيضًا رؤية المسارات التي قام بها رواد الفضاء»، قلت لنفسي «أفحمتهم».

لكن كان يبدو أن المستمعين غير مقتنعين، التفتوا إليّ قائلين ادعاءاتٍ أكثرَ سخريةً، فيلم ستانلي كوبريك، موت العاملين الرئيسيين بطرق غامضة، وهلمَّ جرًّا… وصل القطارُ المحطة، ليست محطتي لكنني آثرتُ الخروجَ على أيّ حال، بينما أتذكر الفجوة بخجل، وكنت أتسآئلُ لماذا فشلتْ الحقائق في تغيير موقفهم؟

الجواب البسيط وهو أن الحقائق والحجج العقلانية ليست جيدة في تغيير معتقدات الناس، وذلك لأن أدمغتنا العقلانية مزودة بتشابكات عصبية صلبة تطورية غير متطورة، إنَّ أحدَ أسبابِ لماذا تنشأ نظريات التآمر بهكذا انتظام هو رغبتنا في فرضِ كيانٍ على العالمِ، ومقدرتنا المدهشة على تمييز الأنماط المختلفة، في الواقع أظهرت دراسة حديثة وجود علاقة بين حاجة الفرد للكيان والميل للاعتقاد بنظرية المؤامرة.

خذ هذا التسلسل مثالًا

00110010010011

هل بإمكانك إيجاد نمط معين؟ محتمل جدًا، وأنت لست وحدك في هذا، ففي استفتاء سريع على تويتر (مُقتبس عن دراسة دقيقة) أظهر أن (56%) من الناس يتفقون معك بالرغم من أن هذا التسلسل ظهر معي بالمصادفة بتقليبِ عملةٍ نقديةٍ، يبدو أن حاجتنا إلى كيان ومهارات التعرف على الأنماط مفرطة نوعًا ما مسببًا ميلًا إلى تتبع الأنماط مثل الأبراج، والغيوم التي تبدو مثل الكلاب، واللقاحات التي تسبب التوحد (ليست حقيقية وغير موجوده في الواقع).

إنّ القدرةَ على رؤيةِ الأنماط كانت بالطبع مفيدةً وسمةَ نجاةٍ مفيدةً لأسلافنا، لكننا نلمس نفس الاتجاه في عالمنا الغني بالمعلومات ونرى روابطَ غيرَ موجودةٍ بين السبب والنتيجة -نظريات التآمر- في كل مكان.

ضغط الأقران

السببُ الآخرُ الذي يجعلنا نؤمن بشدة بنظريات التآمر هو أننا كائنات اجتماعية، وأن وضعنا في هذا المجتمع هو أكثر أهمية (من وجهة نظر تطورية) من كوننا على حق، وبالتالي فإننا نقارن باستمرار أفعالنا وأفكارنا بأفكار أقراننا ثُمّ نغيرها لتلائمها، مما يعني أنه إذا كان مجتمعنا يؤمن بشيء معين فإننا على الأرجح سنتبع القطيع.

إن أثر التأثير الاجتماعي على تصرفاتنا ظهر بشكل جيّد في عام (1961) من خلال تجربة في أحد الشوارع قام بتطبيقها خبير النفس الأمريكي ستانلي ملغرام (المعروف بعمله في أبحاث طاعة شخصيات السلطة)، كانت التجربةُ بسيطةً وممتمعةً بما يكفي لتكرارها، حيث تتلخّصُ التجربةُ باختيارِ زاويةٍ في شارعٍ مُزدحمٍ والتحديقِ إلى السّماءِ لمدةِ (60) ثانيةً، من المرجّحِ أن أعدادًا قليلةً جدًّا منَ الناسِ سوفَ يتوقفونَ لمعرفةِ بماذا يُحدقُ هؤلاء، وفي هذه الحالةِ وَجَدَ ميلغرام أن حوالي (4%)؜ من المارين انضموا لمعرفةِ ما يحدق فيه هؤلاء الأشخاص، ولو قمنا باحضار بعض من الأصدقاء للانضمام إلى التجربةِ بهذه الطريقةِ؛ لازدادَ عددُ الأشخاصِ المنضمين لنحوِ (40%)، وسيتوقفون لمشاهدة ما يحدقون إليه، ولابد أنك لاحظتَ نفسَ هذا التأثير عند وقوفك في المتاجر وتجد نفسك مندفعًا مع الجماهير.

ينطبق المبدأ بقوة فقط على الأفكار، فإذا اعتقد عددٌ أكبر من الأشخاص بمعلومةٍ ما؛ فمن المرجح أن نقبلها على أنها معلومات صحيحة، وبالتالي إذا تعرضنا، عبر مجموعتنا الاجتماعية، بشكلٍ مبالغٍ فيه لفكرة معينة، فإنه يصبح جزءًا لا يتجزأ من نظرتنا للعالم، تكون تقنية الإقناع أكثر فاعلية من البراهين المستندة إلى الأدلة في حالة الحوارات الاجتماعية القصيرة، وهذا بالطبع هو السبب في أن هذا النوع من الإثبات شائع جدًا في الإعلانات.

الدليل الاجتماعي هو مجرد واحدٌ من مجموعةٍ من المغالطاتِ المنطقيةِ التي تجعلنا نتغاضى عن الأدلة، وهو مرتبط بمغالطة منطقيّة تسمى الانحياز التأكيدي، وهذا الاتجاه يسعى من خلاله الأشخاص إلى البحث عن المعلومات التي تدعم وجهات نظرهم والاعتقاد بها بينما يتم التغاضي عما يدحضها، جميعنا يعاني من هذا، فقط فكر مرة أخرى في المرة الأخيرة التي سمعت فيها نقاشًا في الراديو أو التلفزيون، ما مدى الإقناع الذي وجدته يتناقض مع وجهة نظرك مقارنة مع تلك التي اتفقت معها؟

الاحتمالات هي أنه مهما كانت منطقيّة في أي من الجانبين؛ فقد رفضتَ حجج المعارضة إلى حد كبير بينما صفّقتَ لأولئك الذين اتفقوا معك، ويَظهر الانحياز التأكيدي أيضًا كميلٍ لتحديد معلوماتٍ من مصادرَ تتفق بالفعل مع وجهات نظرنا (والتي قد تأتي من المجموعة الاجتماعية التي نتحدث عنها أيضًا)، وهذا ينطيق أيضًا على معتقداتك السياسية.

بالطبع هنالك نظامٌ يدرك المغالطات المنطقية كالانحياز التأكيدي ويحاول إخمادها، إنه العلم، من خلال تكرار الملاحظات، ويحوِّلُ الحكايا إلى بيانات، ويقلل من الانحياز التأكيدي حيث يمكن تحديث النظريات ضمن الأدلة المتوفرة، وهذا يعني أنه منفتح لتصحيح نصوصه الأساسية، ومع ذلك، فإن الانحياز التأكيدي يعيبنا جميعًا، فقد وصف عالم الفيزياء الشهير ريتشارد فاينمان مثالًا مشهورًا على ذلك، والذي نشأ في واحدة من أكثر مجالات العلوم صرامةً، إنها فيزياء الجسيمات.

«لقد قاس ميليكان شحنة الإلكترون من خلال تجربة قطرات الزيت، وحصلَ على إجابة لا نعرف الآن هل هي صحيحة أم لا، إنها شاذة بعض الشيء، لأنه كان لديه قيمة غير صحيحة للزوجة الهواء، من المثير للاهتمام أن ننظر إلى تاريخ قياسات شحنة الإلكترون بعد ميليكان، فإذا رسمتهم كـ”Function of time”، فستجد أن أحدهم أكبر قليلًا من ميليكان، والتالي أكبر قليلًا من سابقه، وهكذا حتى يستقر في النهاية إلى أعلى رقم».

«لماذا لم يكتشفوا أن الرقم الجديد كان أعلى على الفور؟ إنه تاريخ يخجل منه العلماء، لأنه من الواضح أن الناس قاموا بأشياء مثل هذه: عندما حصلوا على رقم مرتفع جدًا فوق رقم ميليكان، اعتقدوا أن هناك خطأ ما، وأخذوا يبحثون عن سبب لماذا هذا الشيء قد يكون خاطئًا، وعندما حصلوا على رقم أقرب إلى قيمة ميليكان لم يكلفوا أنفسهم عناء البحث».

تحطيم الخرافات

قد تميل إلى أخذ زمام المبادرة من وسائل الإعلام الشعبية من خلال التعامل مع المفاهيم الخاطئة ونظريات المؤامرة عبر نهج تحطيم الخرافات، إن تسمية الخرافة إلى جانب الواقع تبدو وكأنها طريقة جيدة لمقارنة الحقيقة والأكاذيب جنبًا إلى جنب حتى تظهر الحقيقة، ولكن مرة أخرى يتبين أن هذا نهج سيء، ويبدو أنه يستنبط شيئًا أصبح يعرف باسم التأثير العكسي، حيث تخلص الخرافة لتصبح أكثر ذكرًا من الحقيقة.

وأحد أبرز الأمثلة على ذلك شوهد في دراسة لتقييم نشرة «الخرافات والحقائق» حول لقاحات الإنفلونزا، فبعد قراءة النشرة، تذكر المشاركون بدقة الحقائق كحقائق والخرافات كخرافات، ولكن بعد (30) دقيقة فقط، انقلبت الأمور رأسًا على عقب، حيث أصبحت الخرافات تُذكرعلى أنها «حقائق»، إنّ مجرد ذكر الخرافات يساعد في الواقع على تعزيزها، ثم مع مرور الوقت؛ تنسى السياق الذي سمعت فيه الخرافة، وتبقى ذكرى الخرافة نفسها.

ومما يزيد الطين بلهُ أن تقديم المعلومات التصحيحية لمجموعة معتقدات خاطئة راسخة يمكن أن يعززها، على الرغم من أن المعلومات الجديدة تنقضها، حيث أنّ الأدلة الجديدة تخلقُ تناقضاتٍ في معتقداتنا وحالة من عدم الراحة العاطفية المرتبطة بها، وبدلًا من تعديل اعتقاداتنا، فإننا نميل إلى التذرع بالتبرير الذاتي وكراهية للنظريات المعارضة، والتي يمكن أن تجعلنا أكثر رسوخًا في وجهات نظرنا، وأصبح هذا يعرف باسم «تأثير بوميرانج» – وهي مشكلة كبيرة عند محاولة دفع الناس نحو سلوكيات أفضل، فعلى سبيل المثال؛ أظهرت الدراسات أن رسائل المعلومات العامة التي تهدف إلى الحد من التدخين، والكحول، واستهلاك المخدرات، كان لها تأثير عكسي.

شكّل صداقات

إذا كنت لا تستطيع الاعتماد على الحقائق؛ فكيف يمكنك جعل الناس يتخلصون من نظريات المؤامرة أو أيّ أفكار غير عقلانية أخرى؟

من المحتمل أن تساعد معرفة القراءة والكتابة العلمية على المدى الطويل، لا أقصد بهذا الإلمام بالحقائق، والأرقام، والتقنيات العلمية، بل الحاجة لمعرفة المنهج العلمي، مثل التفكير التحليلي، حيثُ تُظهر الدراسات في الواقع أن رفض نظريات المؤامرة مرتبطٌ بالتفكير التحليلي، معظم الناس لم يمارسوا العلم، لكننا نستخدمه يوميًا، وبالتالي يحتاج المواطنون إلى المهارات اللازمة لنقد الادعاءات العلمية.

بطبيعة الحال، لن يساعد تعديل المناهج الدراسية لدولة ما في اللحاق بالقطار، لكن من المهم إدراك أنك جزءٌ من التغيير فذلك يساعد بشكل كبير، ولتجنب التأثير بنتائج عكسية؛ تجاهل الخرافات، لا تذكرها حتى أو تقر بها، ما عليك سوى تحديد النقاط الأساسية (على سبيل المثال): اللقاحات آمنة، وتقلل فرص الإصابة بالإنفلونزا بنسبة تتراوح بين (50٪-60٪)، ثمّ توقف ولا تذكر المفاهيم الخاطئة والخرافات لأنّهم يميلون لتذكرها بشكل أفضل.

أيضًا لا تجعل المعارضين يهيمون على وجوههم من خلال تحدي رؤيتهم للعالم، فبدلًا من ذلك؛ قدم توضيحات تتناغم مع معتقداتهم السابقة، على سبيل المثال: من المرجح أن يغير منكرو تغير المناخ وجهات نظرهم إذا تم دعوتهم لمؤتمرات البيئة.

اقتراحٌ آخر؛ استخدم القصص لتوضيح وجهة نظرك، يتفاعل الناس مع الروايات بقوة أكثر بكثير من الحوارات الجدلية أو الوصفية، القصص تربط بين السبب والنتيجة مما يجعل الاستنتاجات التي تريد تقديمها لا مفر منها.

كل هذا لا يعني أن الحقائق والإجماع العلمي ليسا مهمين، فهما في غاية الأهمية، لكن إدراك العيوب في تفكيرنا يسمح لك بتقديم وجهة نظرك بطريقة أكثر إقناعًا بكثير.

من الأهمية بمكان أن نتحدى العقيدة، ولكن بدلًا من ربط النقاط غير المترابطة والخروج بنظرية المؤامرة، نحتاج إلى طلب الأدلة من صناع القرار، إسأل عن البيانات التي قد تدعم الاعتقاد وابحث عن المعلومات التي تختبره، فجزء من هذه العملية يعني الاعتراف بغرائزنا المتحيزة الخاصة، والقيود، والمغالطات المنطقية.

إذًا كيف يمكن لمحادثتي على متن القطار أن تأخذ منحى آخر إذا كنت قد طبقت النصائح سالفة الذكر؟ دعونا نعود إلى تلك اللحظة عندما لاحظت أن الأمور كانت تتجه نحو منعطف سيء:

«يا لها من نتيجة رائعة في اللعبة، من المؤسف أنني لم أستطع الحصول على تذكرة لحضورها».

سرعان ما نتعمق في المحادثة بينما نناقش فرص الفريق هذا الموسم، وبعد بضع دقائق، انتقلت إلى نظرية مؤامرة الهبوط على سطح القمر: مهلًا؛ كنت أفكر فقط في ذلك الشيء الذي قلته عن الهبوط على سطح القمر، ألم تكن الشمس ظاهرة في بعض الصور؟

هزّ برأسه موافقًا

«هذا يعني أن الوقت كان نهارًا، لذلك وكما الأرض؛ هل تتوقع أن ترى أي نجومٍ؟»

هو: «أعتقد ذلك، لم أفكر في ذلك، ربما لم تكن تلك المدونة جيدة».

 

ترجمة: إسلام الرّواحنة

مراجعة: حمزة مطالقة

المصدر: هُنا