الرئيسية / رياضيات / النظرية الكبرى الموحدة لفروع الرياضيات وجائزة آبل

النظرية الكبرى الموحدة لفروع الرياضيات وجائزة آبل

النظرية الكبرى الموحدة لفروع الرياضيات وجائزة آبل

 

فاز عالم الرياضيات الكندي (روبرت لانغلاندز- Robert Langlands) بجائزة (آبل-Abel) لعام (2018) لاكتشافه الروابط المفاجئة وبعيدة المدى بين الجبر ونظرية الأعداد والتحليل، وجائزة آبل واحدة من أكثر الجوائز المرموقة في مجال الرياضيات، يتم منحها سنويًا منذ عام (2003)، وتقدّر بـ(6) ملايين كرونة (777 ألف دولار أمريكي).

يعمل لانغلاندز في معهد الدراسات المتقدمة (IAS) في برينستون- نيو جيرسي، حيث يشغل المكتب الذي كان في السابق لألبرت آينشتاين. ويتحدث لانغلاندز عن البرنامج الذي أصبح معروفًا باسمه في عام (1967) والذي نفذ أجزاءً منه بنفسه. هذا البرنامج هو نوع من حجر الأساس الذي يسمح للباحثين بالتنقل بين مختلف مجالات الرياضيات، وبذلك تصبح المشكلة التي تبدو غير قابلة للحل في لغة رياضية واحدة أكثرَ سهولةً باستخدام لغات رياضية مختلفة، أي أن المفاهيم المتباينة ظاهريًا تصبح مرتبطة ببعضها على نحو عميق.

وقد دأب الباحثون الآخرون على توسيع نطاق البرنامج بشكل كبير، فقد أدركوا أن الكثير من المشكلات التي بقيت محيرة لقرون وقد حُلَّت حديثًا؛ لم تكن سوى حالات خاصة من البرنامج الموسع، ومن الأمثلة على ذلك:

1- (تخمين ويل- Weil conjectures) والذي حُلَّ من قبل عالم الرياضيات البلجيكي (بيير ديليني- Pierre Deligne) فحصل على جائزة آبل لعام (2013)،

2- (مبرهنة فيرما الأخيرة Fermat’s last theorem) التي حلها البريطاني (أندرو ويلز- Andrew Wiles) وحصل على جائزة آبل لعام (2016).

إن هذا الارتباط بين مجالات الرياضيات المختلفة حير الكثير من العلماء وعلى رأسهم لانغلاندز نفسه، وقد وصفه بـ(النظرية الكبرى الموحدة للرياضيات). ويقول عالم الفيزياء الرياضية (روبيرت ديجكراف- Robbert Dijkgraaf) و الذي يرأس (IAS): «إن الأمر يشبه أنك عالم آثار وأنك تحفر حجرًا في الصحراء، وقد اتضح أنه قمة الهرم»

 

وقد كشف لانغلاندز عن النسخة الأولى من البرنامج في عام (1967)، عندما كان عالم رياضيات شاب يزور (IAS)، عندها كانت نقطة انطلاقته من نظرية المعادلات الجبرية (كالمعادلات التربيعية)، وفي القرن التاسع عشر، اكتشف عالم الرياضيات (الفرنسي إيفاريست جالوا- Évariste Galois) أنه بشكل عام، لا يمكن حل المعادلات ذات الدرجة الأعلى إلا بشكل جزئي، وأظهر أن الحلول لهذه المعادلات يجب أن ترتبط بالتناظر. فعلى سبيل المثال: حلول المعادلة (x^5 = 1) تُمثَّل بـ(5) نقاط تقع على دائرة، عند رسمها في معلم أحد محوريه يمثل الأعداد الحقيقية، والآخر يمثل الأعداد العقدية.

وبيّن جالوا أنه حتى عندما لا يمكن حل هذه المعادلات، فإنه لا يزال بإمكانه استخلاص قدر كبير من المعلومات حول الحلول من دراسة مثل هذه التماثلات. ولقد سمح نهج لانغلاندز للباحثين بترجمة مشكلات الجبر إلى لغة التحليل التوافقي، وهو فرع من الرياضيات يكسر أشكال الموجات المعقدة إلى أبسط وحدات بنائية جيبية.

وفي الثمانينيات من القرن الماضي، اقترح (فلاديمير درينفيل- Vladimir Drinfel’d)، وهو عالم رياضيات أوكراني المولد، يعمل في جامعة شيكاغو في ولاية إلينوي وآخرون علاقة مشابهة بين الهندسة والتحليل التوافقي. وعلى الرغم من أن هذه الفكرة تبدو مستوحاة من برنامج لانغلاندز فقط، إلا أن علماء الرياضيات وجدوا في وقت لاحق دليلًا أقوى على أن المجالين مرتبطان. (تلقى درينفيل ميدالية فيلدز في عام 1990).

وشمل برنامج لانغلاندز الهندسي تخمينًا قديمًا يرتبط أيضًا ببعض المعادلات في التحليل التوافقي، والذي تم تأكيده في دليل ويلز على نظرية فيرما الأخيرة، وهي مشكلة في نظرية الأعداد لم تحل لأكثر من (300) عام. وكتب لانغلاندز في عام (2007)، عندما قام ويلز بدمج بعض أعماله في برهانه: «كان ذلك من دواعي سروري، لكنه مفاجأة كبيرة بالنسبة لي».

وأصبح الحقل الذي ازدهر من برنامج لانغلاندز واسعًا جدًا لدرجة أن لانغلاندز قال أنه لا يفهم تمامًا كل العمل الذي يجري فيه، وعلى وجه الخصوص ما يمكن لهذا البرنامج أن يقدمه في الفيزياء، وقد قال زميله في معهد الدراسات المتقدمة (إدوارد ويتن- Edward Witten)، وهو فيزيائي نظري وفائز بميدالية فيلدز لعام (1990) لاستفادته من هذه الروابط الرياضية: «أنا شخصيًا أفهم قليلًا فقط عن برنامج لانغلاندز».

وفي الختام، لا ندري ربما ينتظر المجتمع العلمي قفزات هائلة في مجالات مختلفة، وحلولًا لمشكلات تحير أعظم العقول، كل ذلك بفضل النظرية الكبرى الموحدة للرياضيات.

 

 

 

إعداد: منوّر حريب
المصدر: مجلة nature