الرئيسية / طب وصحة / الذكريات قصيرة الأمد لا تتحوّل إلى ذكريات طويلة الأمد، إنها أغرب من ذلك

الذكريات قصيرة الأمد لا تتحوّل إلى ذكريات طويلة الأمد، إنها أغرب من ذلك

الذكريات قصيرة الأمد لا تتحوّل إلى ذكريات طويلة الأمد، إنها أغرب من ذلك

 
عند قضاء الإجازة في مكانٍ تحبه أو أداء إحدى هواياتك، فإن دماغك يُخزّن ذلك الحدث ضمن الذكريات قصيرة الأمد.
 
اعتقد علماء الأعصاب لعقودٍ عدّة أن الدماغ يقوم بخزّن هذه الذكريات في منطقة أخرى من الدماغ ضمن الذكريات طويلة الأمد، وهو ما سيمكّنك من استرجاعها في السنوات اللاحقة، ولكن في عام (2017) اكتشف أثنان من علماء الأعصاب اكتشافًا مذهل وهو أن الدماغ لا يحوّل الذكريات قصيرة الأمد إلى ذكريات طويلة الأمد؛ بل إن الدماغ يقوم بتكوين النوعين معًا وفي الوقت ذاته.
 

أسطورة الذكريات

 
إن الإصابات التي لحقت بأدمغة الأشخاص كانت السبيل في التعرّف على العديد من الاكتشافات التي وصلنا لها اليوم عن الدماغ؛ فإذا أدى الضرر اللاحق بجزء من الدماغ إلى تغيير سلوك معين لدى الشخص فإن هذا الجزء التالف يمثل مركز التحكم بهذا السلوك.
 
في عام (1953) قام الأطباء بعمليةٍ جراحيةٍ لعلاج نوبات الصرع المتكرر لدى مريض، وتمَّ خلال العملية إزالة منطقة الحصين أو ما يعرف بقرن آمون Hippocampus -جزء من الدماغ يشبه شكل حصان البحر- الواقع على جانبي الدماغ.
عند استيقاظ المريض، انتبه الأطباء على فقدان المريض إمكانية الاحتفاظ وتخزين الذكريات الجديدة والمعلومات الجديدة القائمة على الرموز اللفظية، مع احتفاظه بقابلية استعادة واسترجاع ذكرياته القديمة وتعلّم المهارات الجسديّة الجديدة.
 
أصبحت هذه القضية الموضوع الأكثر دراسة في تاريخ الدراسات الطبية، حيث تعرّف الأطباء من خلالها على أهمية الحصين ودوره في خزن الذكريات قصيرة الأمد، بينما تكون أجزاء أخرى من الدماغ مسؤولةً عن صناعة الذكريات طويلة الأمد.
يعتقد العلماء أن القشرة المخيّة الحديثة هي المكان التي تخزن فيه الذكريات المسؤولة أيضًا عن الانتباه والتخطيط.
 
تتلخص نظرية العلماء السابقة حول فكرة تكوّن الذكريات قصيرة الأمد في منطقة الحصين أولًا ثم بدأها بالانتقال تدريجيًا إلى القشرة المخيّة الحديثة مكوّنةً ذكريات طويلة الأمد وبذلك تزول تمامًا من الحصين.
 

الاسترجاع الكليّ

 
طوّر الباحثون طريقة عملٍ جديدة عام (2012) أطلقوا عليها اسم خلايا أنغرام، حيث تحتوي هذه الخلايا على ذكريات معينة يمكن تتبع عمليتي تخزينها واسترجاعها في أدمغة الفئران، واعتمدوا أيضًا على تقنية علم البصريات الوراثيّ والتي تعرّف بأنها تقنية التحكم بخلايا الدماغ لتعديل العمليات العصبيّة باستخدام مزيجٍ من التقنيات الوراثيّة والبصريّة.
 
لقد قام هؤلاء الباحثون بتتبع ثلاث مناطق في الدماغ؛ تتمثل بمنطقة الحصين، القشرة المخية الحديثة، اللوزة الدماغية (المسؤولة عن تخزين العواطف المكتسبة من الذكريات)، ثم وضعوا الفئران في غرفة خاصة وقاموا بصقعهم بتيارٍ كهربائيّ بسيط، وكانت الفكرة هي تكوين ذكريات الخوف لدى الفئران ومن ثم تذكير الفئران بهذه الحادثة فإذا توقفوا عن الحركة، فإن هذا يعني أنهم تذكروا الموقف المخيف، وبالتالي يمكن تتبع سير الذكريات والتعرّف على أماكن وكيفية تخزينها.
 
بعد مرور يوم واحد من هذا الحدث المخيف للفئران، وجد الباحثون أن الذكريات لم تكن مخزنة فقط في منطقة الحصين، بل أنها خُزّنت أيضًا في منطقة القشرة الجبهيّة، ومنها اكتشف الباحثون أن الذكريات الموجودة في منطقة الحصين هي ذكريات قابلة للاسترجاع (قصيرة الأمد) أما الذكريات نفسها والموجودة في منطقة القشرة الجبهيّة فقد كانت مخزونةً لكن الفئران لم يقوموا باسترجاعها.
خلال الأسبوعين التاليين بدأت هذه الذكريات الصامتة في القشرة الجبهيّة بالتطوّر تدريجيًا حتى باتت من أهم الذكريات المخيفة التي يمكن للفئران استرجاعها، وبمرور الأيام بدأ تأثير الذكريات المخُزّنة في منطقة الحصين بالذهاب، لكنها لم تختفي فقد استطاع الباحثون تنشيطها مرةً أخرى وكان الفأر يتجمد خوفًا بمجرد تذكرها.
 
يبين هذا الاكتشاف العظيم أن أدمغتنا تحتفظ بنسخةٍ إضافية واحتياطيّة لجميع ذكرياتنا في منطقتي الحصين والقشرة الجبهيّة، وهذا يعني أنه في حالة فقدان أو تلف أحد أجزاء الدماغ؛ فإنه بالإمكان تعويض الذكريات التي يُعتقد أنها فقدت.
ترجَمَهُ: شروق الخطيب
دقّقّهُ: هشام دراغمة
مصدر: هُنا